منوعات

الحياة نص فني 2 – 2

الصباح
مصدر الخبر / الصباح

 ياسين النصير
لم تقف عملية الاستعارة عند القصة التشيخوفية، فالتأليف الحديث يلغي الحدود كلها أو بعضها بين الثقافات. الاستعارة الثانية الأعمق هي عملية توصيل خطاب حديث الذي اعتمده المخرج كرسالة بتشكيل فني ممنهج للمخاطبة ونجد ذلك ممثلًا بعدد من الثيمات السينوغرافية،من أبرزها الاداء الفني الرائع للممثلين جميعهم، وخاصة التشكيلات الجماعية والأصوات الفردية، ففي مجمل شحنات الرسالة نجد أنَّ الفنان مناضل داود” الطبيب اندرية”  يطلق دواخلة بقوة إرادة تصميمية ،مما يعني إن صوته المُعبر هو الواجهة التي ينفذ بها سلطته، وقد انشأ نوعًا من الصلة العميقة بينه وبين الدكتاتورية، من خلال خلقه لنموذج معاش، ومرفوض في آن معًا، وهو ما يعني انه قد أوصل رسالة مباشرة عن طرائق التسلط، هذا الصوت الداخلي العريض يعلن مباشرة عن هيمنة وقوة قد لا تكون مستقرة او قانعة نفسيا بما تفعل ولذلك كان تحوله في أخر العرض مبررًا لأنه كان بصوت مستعار.
الفنان اياد الطائي بدور” ميخايئلوف/ فنان المسرح ” كان بطاقة تنفيذية جمالية وبتعبيرية مذهلة، فالبحث عن المعادل الموضوعي بين ذاته كفنان وما يمثله تكوين مزدوج له في الآنية وله وهو في العنبر، شخصية مركبة، وقدرة ذاتية على عبور النموذج إلى المثال الفني. الفنان المسرحي المشهور المهمش يشعرنا بضآلة السلطة أمام قدراته، وعندما دخل العنبر دخل معه تاريخ المسرح الروسي ،وعندما يحاكم أو يسأل، تكون المحاكمة ويكون السؤال عن  تاريخ المسرح وانجازاته وليس عن شخصيته، اشعرنا أياد إن محاكمة الفنان المتميز محاكمة للثقافة المتخلفة. الفنان حيدر جمعة، “ايفان” رسم لنا بحركاته مقاطع من القلق الإجتماعي الذي يعانيه الشباب والاسم ايفان ايقونة روسية مشتركة بين الشباب الروسي، وعبر هدوئه الصاخب صور لنا معاناة أجيال من الشباب الذين حُرموا من الحرية والرأي، فكان صوته الداخلي معبرًا بلجلجاته وتعثراته وصمته وتقطعه عن صورة بانورامية لكل المحرومين من ابداء الرأي. فالفعل الذي يترقبه هذا الشاب هو التأمل الصامت لاستشراف ما سوف يحدث لجيل فني قادر على التعبير لكنه عاطل ومتهم بانه ضد السلطلة الدينية والسياسية دون أن يقترف ذنبا غير أنه ممثل لفئات اجتماعية.
الفنان أمير إحسان، “ايكوركا” من امتع الشخصيات المعبرة عن الطمع والسيطرة الموضعية، فهو لسان آخر لاندرية وفي الوقت نفسه حريص على أن يكون بسلطة مالية، ما اجمل تعابير حركته المرسومة بدقة مختزلة للكثير من الحركات المنفعية، طاقة على توحيد مشاعره مع الآخر، وامكانية لأن يكون نموذجًا لمستثمر صامت يتحرك عبر حركة الآخرين دون أن يفقد ذاته.
الفنان جاسم محمد” خوماتوف” بدور مدير المستشفى، صورة أخرى للسلطة المؤجرة، بأوجهها القانونية والدينية، وبالرغم من قصر دوره كان بليغ الحركة، مختزل اللغة، واضح الهدف بحيث أوصل اندرية إلى حالة الرفض والتمرد على سلطة المستشفى، فالثورة لا تأتي دائما كرد فعل، بل هي حسابات يقوم الآخر بتوفير المناخ لها، وهذا ما حول اندرية من طبيب قلق بعمله إلى إنسان يرفض اية هيمنة ،وقد جسد مناضل داود هذا التحول بالتغيرات الصوتية والحركية توجّها بالظهور عاريا . 
الفنان أمين مقداد، وحده كان النغمة العالية في العرض، الموسيقى الروح والموسيقى المبدأ كانت ترسم حدودًا للأفعال وتجسد تحولات المشاهد وتضعنا دائمًا في المراقبة والترقب لما يحدث، أنينه الذاتي خاصة وهو يعزف مقطوعته في عيد ميلاده، فنان يحمل صوتًا جماعيًا وألته الموسيقية شخصية مضافة لشخصيات العرض.


حركة المجموعة
ممثلو المجموعة المتميزة كانوا واحدة فنية متماسكة، وتعد من انجازات العرض الفني، لقد عمل جواد الأسدي على ثيمة المجموعة التي يوحدها في تشكيل جماعي فجعل منها صوتًا مفردًا وقويًا وجماهيريًا ، هذه التشكيلة التي رسمت لنا لوحات جمالية واحدة من نجاحات العرض التشكيلي الذي ملأ فضاء المسرح،ودلت حركاتهم المتميزة على تنوع الظلم والعنف الذي مورس ضدهم، أقول  أن المجموعة هي العرض أو النغمة الشعبية العالية النبرة التي شدتنا إلى الحدث، وقدمت ناس القاع الأسفل للمدينة وكأنهم نحن، لقد اعتمد الاسدي الطريقة الغروتسكية في تقديم هذه المجموعة فكل فرد هو عبارة عن مفردة في جملة فنية، وكل شخصية هي عبارة عن تركيب هارموني جسدي جمالي مغاير للسلوك العام،وكل حركة تتفاعل مع تاريخ الحالة بحيث نجد تطورًا ملفتًا في تشكلات المجموعة ليس من حركة متشابهة بينهم ولا تكوين مكرر.
وساعيد بعض تصورات الفكر الخاص بالتعري الجسدي وقيمة الأزياء في التعبير وحضور الجسد الناطق، هذه التركيبة من الصور السيميائية تؤكد أن المخرج قد استوعب معنى العري ماركسيًا، عندما لا يوجد الجسد تدفئة في الشتاء كما يقول ماركس يصبح الجسد بمواجهة العالم، وقد تنوع العري بدرجات الفعل المباشر، وعندما تكون الأزياء خرقًا تصبح ادوات تعبير عن الحال المأساوية، أي الصورة المعبرة عن اناس قاع المدينة.


مصائر مجهولة 
شيئان بقيا للحديث عن هذا العرض الذي ملا السنتنا وذاكرتنا بعد جفاف: هما الإنارة والديكور، لأول مرة أشعر أن الإنارة ليست خارجية، بل هي انارة الأرواح المتصارعة، إنا ذاتية، إنارة باحثة عن وجودها الكوني، إنارة منبثقة من المعاناة، وكانت خلفيتها تشكيلات تمزج بين خشبة المسرح وخلفية العنبر، هذه الصلة الفضائية جعلت الشخصيات تمتد على الخشبة وفي العنبر كما لو أنها كائنات تعيش في الداخل وتمثل ما يحدث في الخارج، الشخصيات القلقة من المصائر المجهولة واحدة من الثيمات المختفية وراء العرض،وما نوافذ العنبر التي تفتح وتغلق كابواب السجن إلا ممرات لدواخل الشخصيات وخارجها بحيث ما يحدث في العنبر يحدث في المجتمع.نوافذ عتبات للضوء وممرات للشخصيات وفضاءات للعنبر. هذا الإمتزاج بين الشخصيات وفضائها المكاني والصوت الذي يحدثه الطرق على جدران العنبر قيمة جمالية صوتية/ بصرية، بليغة عندما تتحول اللغة التعبيرية إلى لغة سيمائية، فشكل الطرق والحركة الضاجة والتداخل بين مواقع الشخصيات  ثيمة العرض فكيفما يكون الإنسان يكون مكانه,  أما تكوينات الديكور فهي  واحدة من ثيمات المسرح الفقير الذي يغذي حضور الجسد العاري ولا يقزمه، الديكور الفقير هو ما ينسجم وروح ومبادئ العرض، وفيه ثيمة غروتسكية بحيث أشعرنا بالغرابة المحببة. ثمة تناغم جمالي متقن بين مفردات العرض فالحياة كما يقول نيتشه “نص أدبي”.
ثلاثة اشياء لابد من التطرق إليها،  الأولى كان بالامكان اختصار مشاهد البنية الأفقية للحوار خاصة مشاهد حوار “الجلوس” ،إلى ما يوازي حدثها، بينما كانت بنية  الحوارات العمودية ” الوقوف” من أجمل المشاهد امتلاءا لفضاء المسرح ولخطابها، اقتطاع عشر دقائق من زمن العرض مفيد لتماسكه، ويرفع عنه بعض الضرر
الثانية اعتماد العرض عن “عنبر الرجال فقط” وكأن المجتمع لايوجد فيه عنبرا لنساء محتجزات أو تحت المراقبة والعقاب،وكان بامكان المخرج أن يلجأ إلى ألعاب السينما أو الفتوغراف داخل العرض،ليوزاي بين عنبر النساء وعنبر الرجال، حتى لو كان مُعبَّرا عنه بكلام الطبيب أوممثل السلطة، فالمعني هو الشعب وليس فئة منه. الثالثة، هي توجهات الخطاب الذي كان من المفترض ان يكون مع الجمهور، ومن داخل الجمهور، فلا ضرر أن ينهض من بين الجمهور بعض ممثلي السلطة خاصة الدينية، فالجمهور في كل الأزمنة والأمكنة خليط من تيارات إجتماعية مختلفة، ولاسيما ونحن في عصر العولمة..تحية لفريق  العمل، ولجواد الأسدي الذي أعادنا إلى المسرح العراقي الأصيل. 




الصوت المقموع
حقيقة العرض كانت واضحة وجلية،وقد تمكن الفنان جواد الاسدي من الفصل بين الممثلين وبين ادوارهم،وهذه نقطة ابداع كبيرة، فقد تكلموا معنا بالسانتهم الداخلية المقموعة، مصورين اثر استغلالهم واضطهادهم، ففي الإنسان قوى متعددة يمكنها أن تجسد صورًا مغايرة عبر الواقعية المجسِّدة الكثير من افعاال داخلية مقموعة لم تظهر للعيان إلا بعد تمارين عديدة ، ويبدو أن الممثلين استجابوا لطريقة جواد الاسدي في الكشف عن دواخلهم المعتمة بحركات بدت غير مألوفة، خاصة الكورس الجماعي المذهل في حركاته وتشكيلاته الفضائية التي رسمت لنا لوحات عميقة من العذاب والقهر الذي مورس ضدهم فكان فريقًا متجانسا بهيئة كائن اجتماعي مفرد.، بعماقه وجودهم المستلب، وبقدرتهم على التنفس في مكان مقنن ومحجور وأسفل الأرض، فكان كل ممثل طاقة مضافة للغة العرض في تجسيد معنى الرفض فكان الصوت الداخلي: همهمات وحشرجات وكلمات غير مكتملة،وايحاءات جسدية،وزوغان في المعنى، واضطرابات في الحركة والجلوس والمشي،واعتماد الرؤية المبحلقة في سماء الفضاء المسرحي، والخطاب المبهم والرؤية الموجهة لجمهور المشاهدين وغيرها من صناعات المشهد حركيا ولسانيا حيث فجرت طاقات الممثلين المختبئة في السنتهم واجسادهم  فعد التمثيل واحدة من طرائق الخطابات الفنية لشعرية الفضاء والجسد التي ملأت كل حرفيات الفضاء المسرحي: اعماقه، جوانبه، خلفياته، ومقدماته. وكأن الخشبة التي نعرفها وقد تحولت إلى عالم من الأفكار والأمكنة والأجواء، فعالم تحت أرضي ، عالم تحتثقافة،يرسم دائمًا بحس كاريكتور غروتسكي حيث الغرابة والتعري طريقة للإحتجاج والرفض لعالم المؤسسات الدينية والحكومية التي يملأونها بأقوال وأوامر وإرشادات وقرارات.







يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من الصباح

عن مصدر الخبر

الصباح

الصباح

أضف تعليقـك