اخبار العراق الان

حجج الانفصاليين تصبح سراباً مع تنامي الانتماء الوطني

الصباح
مصدر الخبر / الصباح

 
ترجمة : أنيس الصفار 
هناك مثل عربي قديم يقول “الخير في ما وقع”، والاستفتاء على الانفصال الذي اجرته منطقة الحكم الذاتي الكردية في العراق ليس استثناء من ذلك. لا شك ان الاستفتاء اضاف الى عوامل التوتر العديدة التي تعيشها المنطقة وايقظ  كثيرا من شياطينها القديمة وحرف الانتباه عن المشاكل العاجلة الملحة، ولكنه في الوقت ذاته اوجد فرصة للتمعن في بعض القضايا المهمة ومحاججتها باسلوب هادئ بعيدا عن الانفعال بدل الاسلوب الملتهب الذي يشيع في مناطقنا.
احدى هذه القضايا لها ارتباط بالعلاقة ما بين العرق والقومية، وهي قضية لها اهميتها لأن الشرق الاوسط، الذي كان وسيبقى مكوناً من فسيفساء من الاعراق، قد وصل الى مرحلة الدولة القومية من خلال منعطفات تاريخية وطرق مختصرة افلحت في الالتفاف على اللغز العرقي.
في اوروبا، حيث مولد الدولة القومية الحديثة، وفر مفهوم المواطنة تكويناً جامعاً بين العرق والقومية. جميع الدول الاوروبية كيانات متعددة الاعراق، رغم هذا لم تشهد سوى قلة منها توترات عرقية كتلك التي تتأثر بها الدول القومية الناشئة في منطقتنا.
الافتراض الذي يبني عليه الانفصاليون الكرد في العراق حجتهم هو أن قيام الدولة يجب ان يأتي متوافقاً مع العرق، ولكن لو صح هذا حقاً لتجزأت جميع دول الشرق الاوسط تقريباً ثم عادت اجزاؤها فتجزأت لتكوّن اكثر من 18 دولة جديدة وفق احد التقديرات. بيد ان الانفصاليين الكرد يرفضون حساب الامور بهذه الطريقة متعللين بأن معظم الجماعات العرقية الاخرى في المنطقة اصغر حجماً من ان تستحق إقامة دولة خاصة بها. بعبارة اخرى ان الحجم في هذه الحالة يصبح هو المبرر للانفصال.
على هذا الاساس يمضون في ادعائهم بأن الكرد هم اكبر جماعة عرقية بلا دولة، وهذا ادعاء خاطئ طبعاً. ففي شبه القارة الهندية هنالك الدرفيديون، الذين يبلغ تعدادهم اكثر من 300 مليون نسمة، وهم ايضاً بلا دولة خاصة بهم. ذات القول يصدق على البنجابيين، الذين يناهز تعدادهم 100 مليون نسمة، وهم مقسمون بين الهند وباكستان كما ينقسمون دينياً الى مسلمين وهندوس وسيخ.
في افريقيا ايضاً لدينا شعبا الهوسا (تعدادهم 40 مليونا) والإيبو (تعدادهم 35 مليوناً) وهم بلا دولة. في الصين هناك الايغور (تعدادهم 22 مليونا) والمانشو (12 مليونا) وكذلك التبتيون الذين يبلغ تعدادهم اربعة ملايين، وهؤلاء كانت لهم دول محتها الاغلبية من الهان.
كذلك يوجد من الباثان في باكستان اكثر مما يوجد منهم في افغانستان، واعداد الايرلنديين في بريطانيا تفوق اعدادهم في جمهورية ايرلندا، وهناك هنغاريون خارج هنغاريا اكثر مما في داخلها. 
الحجة الثانية التي تساق مفادها انه طالما كان العراق “دولة مصطنعة” اختلقتها اتفاقية سايكس – بيكو فما من سبب اذن يحول دون خروج احد منها. بدءا نقول ان ما يسمى بـ”مؤامرة” سايكس – بيكو لا علاقة لها بالصورة الحالية للشرق الاوسط رغم كل اللغط المنمق الذي سمعناه.
سايكس – بيكو اتفاقية وضعت صيغتها الاولية اربع دول هي بريطانيا وفرنسا وروسيا وايطاليا لغرض تقسيم ممتلكات الامبراطورية العثمانية في الشرق الاوسط فيما بينها عقب الحرب العالمية الاولى، ولكن هذه الصيغة الاولية لم تكتسب المصادقة النهائية ابداً من قبل الدول الاربع المعنية.
فقبل انتهاء الحرب انهارت الامبراطورية القيصرية وحل محلها النظام البلشفي الذي كشف نص المسودة كجزء من حملته الاعلامية لتعرية ما وصف بـ”القوى الامبريالية”. تلك المسودة كانت ترتأي اعطاء اجزاء كبيرة من الاناضول الى روسيا، التي كانت حليفة لبريطانيا وفرنسا وايطاليا. ولكن عندما تسلم البلشفيون السلطة في روسيا اصبح هذا البلد عدواً، وبذا انتفى المبرر لاعطائه اي شيء.
اما ايطاليا فقد كان اداؤها خلال الحرب بائساً الى حد جعل بريطانيا وفرنسا تقرران انها لا تستحق ان تعطى اكثر من فتات الكعكة، التي تمثلت ببرقة واقليم طرابلس. واذ امست سايكس – بيكو بحكم المعطلة عكفت بريطانيا وفرنسا على اعداد صفقات جديدة لاحقة انعكست بشكل معاهدات عديدة اهمها معاهدتا لوزان ومونترو.
أياً يكن الحال فإن الادعاء بان العراق دولة “مصطنعة” لا معنى له، لأن جميع الدول مصطنعة وما من دولة سقطت من السماء هكذا بشكلها الراهن المتكامل. الولايات المتحدة استغرقت 200 عام لكي تنتهي الى صورتها الحالية، وذلك بعد قبول هاواي، التي ضمت في العام 1898، لتكون الولاية رقم خمسين وذلك في العام 1959.
قبل قرن من الزمن كان عدد الدول القومية في العالم 32 دولة بينما توجد اليوم 198 دولة اغلبها احدث عهداً من العراق واكثر منه “اصطناعاً”.
في بعض الاحيان تفتعل الهويات العرقية افتعالاً او يبالغ بها لنيل سلطات سياسية. مثلاً يشترك الكاستيليون والكاتالان في ديانتهم المسيحية، كما انهم يتحدثون لهجات متفاوتة من اللغة نفسها، وهي اللغة اللاتينية، حتى ان الوافد الغريب لا يكاد يميز بينهما. مع هذا هنالك حركة انفصالية كتالونية في اسبانيا، والسبب هو ان كاتالونيا كانت دائماً قاعدة من قواعد تأييد الحركات اليسارية في شبه الجزيرة الايبيرية بينما كان باقي اسبانيا، لاسيما منطقتي قشتالة وغاليسيا، دائماً مع المحافظين.
المفارقة الغريبة هي ان الدولة كلما ازدادت اعراقها تعدداً كانت ابلغ نجاحاً كما يثبت لنا التاريخ. فالدولة السومرية كانت تعد “نقية” وفق الاعتبار العرقي، ولكنها اختفت وزالت من دون ان تترك اثراً، في حين استمرت الامبراطورية الرومانية، التي كانت مفتوحة امام جميع الاثنيات والاعراق صعوداً الى منصب الامبراطور، لاكثر من 1000 عام ولم تدخل مرحلة الموت إلا بعد ان حاولت فرض التجانس من خلال ديانة جديدة اعتنقتها الدولة هي الديانة المسيحية.
البلدان التي لا تقوم فيها المواطنة على العرق او الدين تهب مواطنيها حريات لا تتيسر في اماكن اخرى. ففي شارع صغير بباريس اسمه “رو دي بيتيت إيكيوريس” تصطف الدكاكين والمقاهي العائدة لأشخاص من جميع الطوائف والديانات، مسلمون ويهود ومسيحيون، جنباً الى جنب من دون ان يقطع احد عنق احد وهو شيء لا يمكن تصور حدوثه في الاماكن “الخالصة” مثل مجتمع “داعش” او إمارة طالبان.
لا شيء اسهل ابتداعاً من “التقاليد” التي يمكن اتخاذها اساساً لبناء هويات عرقية. فمن اجل اختلاق هوية جديدة تبنى اتاتورك الكتابة اللاتينية مزيلاً من اللغة التركية الكلمات العربية والفارسية ليستخدم بدلاً منها كلمات فرنسية. ولكننا اليوم نرى شبح العثمانيين القدامى يعود ليفرض نفسه.
بعض الكرد حاولوا ان يطبقوا مخططاً مماثلاً من خلال اقحام حروف العلة في الكتابة العربية واستبعاد كثير من الكلمات العربية والفارسية مثلما فعل اتاتورك. كانت النتيجة لغة تبدو اكثر كردية من ذي قبل ولكنها اعسر على الفهم، خصوصاً حين نأتي الى النصوص الكلاسيكية في ادبهم.
يكثر الحديث هذه الايام عن الهوية، ولكن الهوية الانسانية متلونة خاضعة لمنعطفات الحياة وتقلباتها الفردية والجماعية. مثلاً ان هوية مسعود بارزاني ليست نفسها بالضبط هوية عنصر البيشمركة الذي يقود له سيارته المرسيدس المضادة للرصاص، فقد ولد بارزاني في مهاباد بإيران كفرد ايراني ولكنه امضى 12 عاماً من حياته في الاتحاد السوفييتي. بعد ذلك قضى عقداً من الزمن في العراق قبل ان ترغمه ماكنة الارهاب البعثية على ترك البلد واللجوء الى ايران اولاً ثم الى الولايات المتحدة. ولكن هذا كله لا ينتقص من عراقيته او من كرديته، فالاثنتان في حالته متكاملتان رغم انهما غير متوافقتين.
من السهل التعرف على المواطن العراقي وتشخيصه لأن المواطنة حالة سياسية وقضائية من الممكن اختبارها والتثبت منها. ولكن حين نأتي الى الهوية العرقية او الدينية سوف ندخل انفسنا في متاهات المجهول.
ثمة امران مؤكدان بخصوص اي واحد منا لا سبيل للشك فيهما، وهما انسانيتنا وانتماؤنا الوطني، وكل ما عدا هذين الاثنين خاضع للتخمين قابل للتعريفات الملتوية. 
أمير طاهري/عن موقع مؤسسة “يوراسيا ريفيو” 

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من الصباح

عن مصدر الخبر

الصباح

الصباح

أضف تعليقـك