اخبار العراق الان

ماكرون.. منحازاً

الصباح
مصدر الخبر / الصباح

 زيارة نيشيروان بارزاني الى باريس ولقاؤه الرئيس الفرنسي يجري تصنيفها في خانة مساعي أربيل لتدويل الازمة مع الحكومة الاتحادية، رغم مرارة تجارب الماضي في التعويل على القوى الدولية. أقول أربيل ليس كناية عن إقليم كردستان بل أعني السلطة التي يقودها الحزب الديمقراطي الكردستاني والتي لا يتعدى نفوذها محافظتي أربيل ودهوك، فيما السليمانية تخضع لسلطة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني مع نفوذ لحركة تغيير.
للعلاقات بين الحركة الكردية العراقية وفرنسا تاريخ طويل، بدأ مع رجالات الثورة الفرنسية وأبرزهم شارل ديغول المتوفي عام 1970، وبعض المناضلين ضد النازية أمثال الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران الذي قال لبارزاني عام 1992: أنا معكم ما دمت حيّاً وإذا رحلت فالشعب الفرنسي كله معكم. أيضا زوجته دانييل ميتران التي يلقبها الاكراد بـ”أم الكرد”. وهي أحد مؤسسي منظمة فرنسية تعنى بمناصرة ضحايا الاضطهاد في العالم . ويفاخر الاكراد ان الزعيم الكردي الراحل مصطفى بارزاني أوقف صفقة طائرات ميراج المقاتلة كان العراق تعاقد عليها مع فرنسا عام 1967، عندما استجاب شارل ديغول لطلب بارزاني. آنذاك لم يكن نظام البعث قد حلّ في العراق، ولم تكن حكومة عبد الرحمن عارف تمارس ما مارسته سلطة البعث من انتهاكات بحق الاكراد، الامر يعكس تاريخاً من مساعي قادة الأكراد لمنع أسباب قوة الدولة العراقية.
علاقة فرنسا (الرسمية وغير الرسمية) بالجانب الكردي العراقي قبل 2003 ربما تكون مبررة بما كانوا يتعرضون له، لكن هذا الدعم استمر بعد 2003 عندما تحوّل الاكراد من ضحية الى مشاركين رئيسين في بناء النظام الجديد، بدءاً من كتابة الدستور الذي ضمّنوه، بفضل جهود مستشارين أميركيين وغيرهم وغفلة السياسيين العراقيين العرب، مواد توفر مقومات الانفصال المستقبلي، أو على الأقل تفوق الجانب الكردي وهيمنته على سير الامور السياسية في العراق ككل. خلال السنوات السالفة، كان مستشارون فرنسيون يوجهون سياسة أربيل في العراق. برنارد ليفي الذي لعب دوراً كبيراً في تفجير النزاعات الدامية في المنطقة باسم “الربيع العربي”، والتي انتجت دماراً وقتلاً لا حصر له في ليبيا وسوريا واليمن وغيرها،كان حاضراً في توجيه القرار في أربيل، متجولا بين أروقتها السياسية ومواقع البيشمركة. وخلال الاستفتاء كان ليفي دائم الحضور في غرف القرار ومعه برنارد كوشنير وزير الخارجية الفرنسي السابق. لم يخفيا دعمهما وتبشيرهما بانفصال إقليم كردستان بدءاً من الاستفتاء. ربما ساهما ومعهما “زملاء” أميركيون وغيرهم في توريط بارزاني بالإصرار على الاستفتاء والوصول الى ما انتهى اليه.
فرنسا الرسمية حاولت الدخول على خط الوساطة قبيل زيارة رئيس الوزراء العراقي الى باريس بعيد الاستفتاء لكنها توقفت عن الحديث في الامر حتى كانت زيارة نيشيروان بارزاني والمواقف التي أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال المؤتمر الصحافي المشترك. لم ينجح ماكرون في إخفاء انحيازه، رغم حديثه عن الدستور ووحدة الأراضي العراقية. نصّب نفسه قاضياً دستورياً عندما منح “شهادة شرعية” لحكومة الاقليم وهذا ليس من شأنه. كان يريد من ذلك تبرير استقباله لبارزاني الذي قال انه يفعل ذلك كما استقبل من قبل رئيس الوزراء العراقي، فوقع في مطب آخر إذ أوحى انه يتعامل مع رئيسي وزراء لدولتين مستقلتين متخاصمتين. الخطيئة الأكبر التي وقع فيها ماكرون هي مطالبته بحل الحشد الشعبي، تدخّل صارخ في شؤون دولة مستقلة وفي موضوع بالغ الحساسية. هذه الخروقات تنزع عن الجانب الفرنسي صفة الحياد التي يحاول إظهارها في الوساطة، والتي يمكنه اختزالها بدعوة بارزاني الى الالتزام بالدستور والتقيد بحدود الفيدرالية وصلاحيات وحدود الاقليم وترك التفكير بالعودة الى “الامر الواقع” قبل الاستفتاء. 

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من الصباح

عن مصدر الخبر

الصباح

الصباح

أضف تعليقـك